الثلاثاء - 16 تموز( يوليو ) 2019 - السنة الأولى - العدد 1246
Tuesday-16 Jul 2019 No. 1246
النهار - عبدالله الميالي
أدب الفقهاء .. السيد محمد الصدر أنموذجاً

وفق ما طرحه عدد من الباحثين والأكاديميين (المُحايدِين) في دراساتهم وبحوثهم، كعادل رؤوف، ومختار الأسدي، وعبدالأمير الركابي، وحسن الحكيم، وفائق الشيخ علي، وعقيل المندلاوي، وعبداللطيف الحرز، فقد شكّلت حركة السيد محمد الصدر ذات المنهج التجديدي خلال ست سنوات فقط (1993 ــ 1999) ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ المدرسة الفقهية العراقية الحديثة والمعاصرة على أقل تقدير، وأصبحت شخصية السيد محمد الصدر، كحال الشخصيات التاريخية التي يدور حولها الجدل، ولكل طرف دليله في ذلك، وقد كفانا أولئك الباحثين مؤونة الحديث بتفصيل مسهب عن شخصيته وحركته، وما يهمنا هنا التطرّق إلى الجانب الأدبي في فكر السيد محمد الصدر، حيث تمظهر الاهتمام الأدبي عنده بشكل لافت من خلال عدّة أمور: 1 – بدأ بنشر كتاباته الأدبية قبل بلوغه العقد الثاني من عمره في مجلة الأضواء النجفية بداية الستينيّات من القرن الماضي، وقد أشار السيد محمد حسين فضل الله إلى ذلك قائلاً: "كُنّا ونحن في مجلة الأضواء في سنة 1380هـ في النجف الأشرف نستقبل شاباً طاهراً طيّباً، تفيض الطهارة على وجهه، كان يأتي بكلماته في – الأضواء – ليعالج قضايا لم يكن مجتمع النجف يعالجها آنذاك." 2 – قام برعاية مسابقة لمعرض تشكيلي (مجسّمات ونُصُب) تمثل رمزية صلاة الجمعة، في سابقة غير مألوفة في تاريخ المدرسة الفقهية العراقية عامة والنجفية خاصة، وقد افتتح المعرض بنفسه، وكان ذلك نهاية عام 1998م. 3 – تناول الشعر والقصة ببحث مفصل في الجزء العاشر من موسوعته المعروفة (ما وراء الفقه) ، وإن كان البحث يدور في دائرة نظرة الفقه للشعر والقصة بشكل عام، ولكن يمكن عدّ البحث بشكلٍ أو بآخر بمثابة تجربة جديدة تُضاف إلى مدارس النقد الأدبي، ونستطيع أن نُسمّي هذا اللون الجديد بـ(بالنقد الفقهي الأدبي). 4 ــ لمّح في إحدى خُطب الجمعة بقراءته لروايات الروائي الانكليزي وليم شكسبير، وسمّى رواية (يوليوس قيصر) تحديداً. 5 – وجّهت مجلة الهدى الصادرة عن مكتب السيد محمد الصدر، بعددها الثالث لعام 1998 دعوة إلى الأدباء والشعراء من كُتّاب القصة القصيرة والأقصوصة وقصيدة العمود والنثر وقصيدة الومضة وباقي تشكيلات المظهر الأدبي لنشر نتاجاتهم الأدبية على صفحاتها. 6 – أعلنت مجلة الهدى بعددها الحادي عشر لشهر شباط لسنة 1999 (قُبيل حادثة الاغتيال) عن مسابقة للقصة القصيرة. 7 – في كتابه (شذرات من فلسفة تاريخ الحُسين) خصّص فصلاً بعنوان (علاقة الحُسين بالشعراء) ويظهر من أسلوبه أنه يجنح إلى النقد الأدبي على الطريقة العربية التقليدية وليست الأكاديمية المتخصصة، ويبدو كذلك أنه قرأ الكثير من الدواوين الشعرية لمختلف الشعراء، فيقول مثلاً عن دعبل الخزاعي وقصيدته التائية المشهورة: "حسب فهمي فإن قصيدة دعبل ليست على نفس المستوى من الجودة بل فيها أكثر من مستوى، ويمكن أن نعزو ذلك إلى عدّة أسباب: أولاً: الدّس، فما كان ضعيفاً فهو مدسوس، وما كان قوياً فهو له، إلا إنّ هذا مما لا يمكن أخذه على إطلاقه، بمعنى أن نحكم على البيت بالدس لمجرد ضعفه. ثانياً: ضعفه الشعري نسبياً، إذ لا شك أنّ الكميت والفرزدق فضلاً عن المتنبي والشريف الرضي خير منه، والشعر معلول للنفس ولا يمكن أن يزيد على مستوى الشاعر بحال، وأستطيع أن أُشبهه بأبي العتاهية من هذه الناحية، فإنّ شعره أغلبه سهل إلا أنه ليس بممتنع، ويحضرني قوله: فاسمع لقول ناصح ـــ يُدعى أبا العتاهية ثالثاً: صعوبة القافية عنده مع إرادة التطويل بالقصيدة أو عدم تكرر الكلمات، مع إرادة ضغط معانٍ معينة خلال السياق، فقد تبدو بعض الأبيات متكلفة، أو أنّ بعض الكلمات يصعب تخريجها لغوياً، كل ذلك لحفظ الوزن والقافية، أو قل لضرورة الشعر كما يُعبرون" 8 – له ديوان شعري كتب مقدمته بنفسه، ويحمل عنوان (مجموعة أشعار الحياة) ضمّ عشرات القصائد المختلفة التي نظمها طيلة أربعين عاماً، يتألف الديوان من 320 صفحة، ومما كتبه في تلك المقدمة: "يتضح من تواريخ الشعر أنني بدأت نظم الشعر بالمستوى المعقول وأنا في حوالي الاثنى عشر عاماً من عمري، وبقيت على ذلك إلى حوالي الخمسين من عمري، والفرد بطبيعة الحال يمرّ في هذه الدنيا المتلاطمة بمختلف الحالات عقليّاً ونفسياً وعاطفياً واقتصادياً واجتماعياً، فمنها الحسن ومنها الرديء، ومنها المفرح ومنها المحزن، ومنها ما يتعلق بالذات ومنها ما يتعلق بالله سبحانه وتعالى، ومنها ما يتعلق بالأسرة ومنها ما يتعلق بالمجتمع، ومنها ما له مناسبة ومنها ما ليس له مناسبة، وهكذا." والديوان وإن كان بمجمله من الشعر العمودي، إلا أنه تضمّن أيضاً عدد من الأشعار الجديدة من النظم المنثور، ويظهر أنّ السيد محمد الصدر كان يتابع الحركة الشعرية المتجدّدة أولاً بأول، وعلى حدّ قول صحيفة الحياة اللندنية الصادرة بتاريخ 1/3/1999م وهي تستعرض سيرة حياته: "ويُعرف عنه أنه شاعر من مؤيدي حركة التجديد، إذ كتب الشعر الحر وكان متأثراً ببدر شاكر السيّاب." ومن قوله في الشعر المنثور بعنوان (مأساة النهار): سألقاك أيها النهار سأقبّل ما بين عينيك مشتاقاً إليك ومتلهفاً لرؤيتك سنحيا معاً في ضمير الدهر سنبني داراً في أعماق المحيط كما وردت في الديوان عدد من المقاطع الشعرية التي تميل إلى أدب السخرية، كقوله من قصيدة بعنوان (مرثية خروف) تتألف من 32 بيتاً، ومنها: رأيتك يا بن الخـراف العظيم *** أسـيراً تُقـاد إلـى المقصـلة فما أفدح الخطب في النائباتِ *** على قلبك الغض ما أهوله تُقــاد اضطـراراً لهـا أعــزلا *** بــأيـدي مسلحــــة مثقـــلـة فــيا لــك من بطــلٍ شـــامـخٍ *** فلا صـوت منك ولا ولولـة ويا لــك مِـن طيّـبٍ طاهــــرٍ *** يُــدان بريــئاً ولا ذنـب لــه ويُقـتل كي يشبـع الغــادرون *** من البطن حاجاتها المجملة وكـي يستلـذ التـخيم البطــين *** بــأنــــواع أطعمــة مثقــلـة فـآجــرك الله يا بن الخـراف *** على السير في هذه المهزلة وأكثرَ في ديوانه من التربيع والتخميس والتشطير لعدد من الشعراء من مختلف العصور كأبي يعقوب النصراني وابن الفارض والشافعي والبهائي والصاحب بن عبّاد والحلّاج وعبدالباقي العمري وذي النون المصري وأبي العلاء المعري ومحي الدين بن عربي وغيرهم، ومن ذلك تشطيره أبيات الحلاج: (مالي جُفِيتُ وكنتُ لا أُجفى) *** وقطعتَ عني المنهل الأصفى وهجرتني والشوق فـي كبدي *** (ودلائلُ الهِجـرانِ لا تَخفـى) (وأراكَ تمزجـني وتشـربني) *** وأُريد منك المشـرب الأوفـى حـاشــاك أن تجفـو بعــادتــنا *** (ولقد عهِدتُك شـارِبي صِرفا) كما حفل الديوان بالكثير من الرباعيّات المتنوعة، ومنها هذه الرباعيّة: قلتُ للحـلّاقِ إذ يحلقُ شَعري: كيف أمـري؟ ذا بياض الشيب قد رانَ على ظلماء شَعري أنـت إذ تحلـقُ شَعـري، هـذه تحلـقُ عُمـري وأنــا المســؤول عمّـا قـد جنتهُ يـدُ دهـــري وهذه رباعيّة أخرى تحمل معنىً عرفانياً (لاحظوا التناغم بين بداية الأبيات ونهايتها): قشعَ القلـبُ حِجاباً داكناً *** كـان يشكـوه، وللحبِّ عَلقْ قلعَ الشرُّ الـذي فـي لبّه *** مـن عبوس وازدراء ومَلقْ قلـمُ الأقـــدار جــارٍ أنه *** ليس يلقى من لظى الحب فَرقْ قرفَ البعد وما يأتي به *** ولِلقـيا النُّـور والعليا عَـشقْ
الارشيف

كتابنا


رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد 1625 لسنة 2011
جميع الحقوق محفوظة لجريدة النهار 2012   استضافة وبرمجة وتصميم ويب اكاديمي