الثلاثاء - 16 تموز( يوليو ) 2019 - السنة الأولى - العدد 1246
Tuesday-16 Jul 2019 No. 1246
منتهى عيسى
دمعة وسط الجموع

يرتدي انفه الاحمر وشعره المستعار ويغرق ما تبقى من ملامح وجهه بمسحوق ناصع البياض ، وها هو مجددأ يتسكع في الركن القريب من موقع سكنه يتصنع الضحكات ويطلق النكات بصوت عال ، اعتاد ان يغني ويهز وركيه او يقوم ببعض الشقلبات غير المتقنة ان اقتضى الامر ، كان العمل اقل مشقة في السابق ، فأخراج الضحكات لم يكلف حينها الا غمزة عين او حركة حاجب ، يبدو ان نكاته وحركات وركيه لم تعد مجدية ، فكرة القدم غزت عقول الصغار ولم يعد هناك متسعأ من الوقت لمشاهدة عجوز اخرق بنكات فقدت نكهتها منذ زمن طويل ، تأخذه ساقاه الى طريق فرعي تقف في نهايته مأذنة الجامع الكبير ، هنا تنفرج اساريره لرؤية الصغار وقد افترشو الارض بعد ان حفرو فيها حفرة صغيرة وبدءو في تصويب كراتهم الزجاجية بأتجاهها ، يباغت بنتأ انزوت بعيدا عن جموع الصغار يوشوش في اذنها نكتة ، يمط اذنيه ، يجر انفه فيعود ملتصقأ بقوة مؤذية الى وجهه ، يصيح بصوت عال : اخ ، تبتسم يقول : ابتسامة غير كافية ، ما اريده هو قهقهة عالية ، يدغدغ بطنها وابطيها ثم يمد يده من تحت حجابها السميك ليخرج نهايات ضفيرتيها ، يطوي كل منهما بأتجاه معاكس للاخرى ويلصقهما فوق شفتها العليا يقول : هسة شدكول رحومي افندي تختلط ضحكاتها مع ضحكات الصغار المتحلقين حولها ويبدءون في اطلاق التسميات ( ام شوارب ، اسماعيل بيك ، غفوري ) تتبدد الضحكات وينقطع كل شيء بلكمة قوية تطيح به ارضأ وهو يتلوى من الالم ، يغمض عينيه ويغطي وجهه بكفيه كطريقة للهرب من اللكمات والركلات والسباب والشتائم التي تنهمر عليه كسيل عظيم يجرف ما تبقى في روحه من حياة ، ينكمش كسلحفاة لا حول لها ولا قوة وصوته المكسور يستغيث وركلة اخيرة تغوص عميقأ في معدته ترفقها عبارات تهديد ( سأهرس دماغك اللعين اذا رايتك تتحرش بها او لمحت وجهك في الشارع مجددأ) ، يلملم ما تناثر من اجزاء كبريائه ويزحف مبتعدأ عن جمهرة المتطفلين صوب دكان ابو عباس عسى ان يسعف جراحه بكلمات تطيب خاطره وترتق كرامته المهدورة ، لم يجد ابو عباس الوقت الكافي فالرجل الغاضب لم يكتف بعد وها هو يعض على شفتيه والشرر يتطاير من عينيه وكفه تخبئ شيئا ما تحت عبائته السوداء وقد لف اذيالها تحت حزامه السميك، يصيح ( الم اقل لك اني سأحفر قبرك بيدي هاتين ؟ كيف تجرأت على لمسها ؟ ) وبحركة مباغته يخرج سكينأ ويلوح بها امام وجهه المدمى ، يتوسط المارة لأطفاء لهب الشر بكلمات تهدئ من روع السيد المنتفض ( استهدي برحمانك مولانا ، انه عجوز خرفان لا يعي ما يفعل ، فسنوات الاسر الطويلة تبخر مافي عقل الرجل من حكمة ، قد عانى ما عانى وذاق عذاب لا يحتمله بشر ... ) تهدا العاصفة ، يعود ادراجه ململمأ شتات نفسه مستجمعأ قوته مركزأ حمل جسده على ساقه اليمنى مستعينأ بدرابزين السلم المتأكل لبلوغ شقته في الطابق الثالث ، يزيح كتلة من الدم المتجلط تحت حاجبه ويفتح عينه التي التصق جفناها ليتخطى السلمة المتهاوية بصعوبة ، بسن مكسور وانف ينزف وكدمات تغطي جسده بالكامل تستقبله اخته رحيمة بشهقة : ماالذي حدث ؟ يجيب ( لا شيء ) تجيب ( لاشيء ودمك يسيل كذبيحة عيد ؟) يجلس على اريكته وعيناه تبحثان عن اجابة وشفتيه تتمتمان ( لقد اضحكت بنت السيد ) .
الارشيف

كتابنا


رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد 1625 لسنة 2011
جميع الحقوق محفوظة لجريدة النهار 2012   استضافة وبرمجة وتصميم ويب اكاديمي