الأحد - 19 ايار( مايو ) 2019 - السنة الأولى - العدد 1214
Sunday-19 May 2019 No. 1214
محمود السعد
لا اريد ان اكون يتيما

إن من الحزن والأسى أن يفقد المرء أباه فإذا فقد أمه وأباه فهي تلك أعلى درجات أليأس والقنوط الاّ إذا أعانه الله ورزقه مَن يتولاه ويتدبر أمره بعد هذا الخسران المبين. فإذا ما ذكرت قصة بهذا الشأن فإن قصة النبي محمد(ص) تتراءى أمام الأنظار. فالكل يعلم ما مر به (ص) من ظروف صعبة لولا ان يسخّر الله مَن يرعاه وينسيه أن يشعر باليُتُم . إذ أنه لم يرَ اباه وفقد أمه وهو مازال بعمر الطفولة فاحتضنه جده عبد المطلب الذي لم يدّخر جهدا في رعايته وغداة وفاة جده تلقفه عمه أبو طالب. إتصف في حياته بالأمانة والصدق وسميّ بالامين. عند نزول الوحي عليه قال له (إقرأ بٱسم ربك الذي خلق .. خلق الإنسان من علق إقرأ وربُك ألأكرم الذي علّم بالقلم عّلم الإنسان ما لم يعلم) فتصور ما للقلم من قدسية وما للعلم من منزلة حتى خصهما الله بأول بشرى بالنبوة بعد أن قرأتُ عن العلم والأدب زادني شوقاً وولعاً أن أُوثّق جزءً مما قرأته للذكرى وأكثر ما أعجبني ما قاله الشعراء بحق العلم والأدب مبتدأً بما قاله الإمام علي بن ابي طالب (ع) فقد قال: ليس اليتيم الذي قد مات والده إنّ اليتيم يتيم العلم والادب أدّبتُ نفسي فما وجدت لها بغير تقوى الأله من أدب وغِيبة الناس إ ن غيبتهم حرّمها ذو الجلال في الكتب إن كان من فضةٍ كلامُكِ يا نفس فإن السكوت من ذهب ومنها جاءت الحكمة ( اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب) حدثنا ابانا يوما عن حادثة بذات المعنى قال: كان هناك ملك يجتمع مع عددا من رعيته وذات يوم جاءه شخص يحمل بطيخة في غير وقتها اهداها للملك فعجب بها الملك وساورته نفسه ان يذهب بها لعائلته لكنه أراد ان يثبت لرعيته انه ليس طامعا بها فطلب من الحاضرين سكينا فلم يجبه احد الا ّواحدا فتناولها الملك منه واخذ يتفحصها ويقلبها وينظر اليها تارة والى صاحبها تارة أخرى فتعجب الحاضرون الاّ ان الملك بادر صاحب السكين بقوله من أين لك هذه فأجابه ورثتها من أبي قال له الملك أتعلم أن هذه السكينة تعود لي وقد فقدتها منذ سنين ولم اعثر عليها الا الٱن فأنت اليوم محاسَب على سرقتها فتلعثم المقابل ولم يستطع ان يكذّب الملك وحدث استغراب وهمس بين الحاضرين فاراد الملك ان يودعه السجن لولا توسط الرعية واكتفى بطرده فهل بعد هذه الحادثة يجرؤ احد ان يخرج سكيناً وهذا يدل على أن المرء إن لم يكن ذو فطنةٍ وعلمٍ لما ميز بين السكوت والكلام فرُب قول ذهب بقائله الى الهاوية ورب قول رفع قائله الى أعلى المراتب وخير مثل على ذلك ما قاله الشاعر( ابومنصور الهروي) إذاكنت ذا علمٍ وما راكَ جاهلٌ فأعرض ففي ترك الجواب جوابُ وإن لم تُصب في القول فٱسكت فإنما سكوتك عن غير الصواب صوابُ وعبر عن ذلك الشافعي بقوله كم يرفع العلم أشخاصاً الى رُتبِ ويخفضُ الجهل اشرافا بلا أدب أما المتنبي فقد قال متهكما فقر الجهول بلا عقل الى أدبِ فقر الحمار بلا رأسٍ الى رِسَنِ كما قال أعز مكانٍ في الدنا سرجٌ سابحٌ وخير جليسٍ في الزمانِ كتابُ واقوال المتنبي كثيرة فمنها وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظرهِ اذا ٱستوت عندهُ الأنوار والظُلمُ ولو توغلنا في هذا الموضوع لرأينا ما راينا فهذا ابو العلاء المعري يقول ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً تجاهلتُ حتى ظُنّ أني جاهلا وما قصيدة أحمد شوقي التي شاع صيتها بين طلاب المعرفة بعيدةً عنا قم للمعلمِ وفه التبجيلا كاد المعلم ان يكون رسولا وقد سطّر ابن الوردي أحرفا من نور حين ينصح إبنه ويقول له يابنيّ إسمع وصايا جمعت حِكماً خُصّت بها خير المللْ اطلب العلم ولا تكسل فما أبعدَ الخير من أهل الكسلْ في إزدياد العلم إرغام العِدى وجمال العلم إصلاح العملْ ولا يفوتنا ما قاله الجاحظ يطيب العيش أن تلقى حكيماً غداة العلم والفهم المصيبُ فيكشف عنك حيرة كل جهلٍ وفضل العلم يعرفه اللبيبَ سقام الحرص ليس له شفاءٌ وداء الجهل ليس له طبيب ولم يفتنا قول الشافعي تغرّب عن الاوطان في طلب العُلى وسافر ففي الاسفار خمس فوائد تفرّجُ همٌ وٱكتساب معيشة وعلم وٱداب وصحبةِ ماجد ( لاياشافعي هناك فائدة لم تذكرها وهي التبضع التي تعتبر أهم فائدة على الاطلاق خاصة عند النساء) كما قال احد الشعراء بيتا جميلا غاب عني إسمه ليس الجمال بأثوابٍ تزيننا إن الجمال جمال العلم والادب فهل بعد هذا سنظل في ظلال
الارشيف

كتابنا


رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد 1625 لسنة 2011
جميع الحقوق محفوظة لجريدة النهار 2012   استضافة وبرمجة وتصميم ويب اكاديمي