الاثنين - 15 تموز( يوليو ) 2019 - السنة الأولى - العدد 1245
Monday-15 Jul 2019 No. 1245
جمال الناصري
رمضان في السجون المغلقة

يحل رمضان وهو شهر الصوم في كل عام ..ويطرق بيوت المسلمين في كل بقاع العالم شرقا وغربا ، شمالا وجنوبا ، وفي كل مكان يتخذ له لونا مختلفا ، فيصطبغ بلون المكان ولون الزمان ، لكنه يبقى كما هو شهر الصيام والعبادة لاغير .. كان رمضان يطرق ابواب الزنانزين والمعتقلات والسجون ايضا ، ويتخذ شكلا مغايرا لجميع الالوان الاخرى . ، فقد صام السجناء السياسيون وهم مقيدون بالسلاسل الحديدية التي ربطت في نهاياتها ايضا قناني الغاز الثقيلة .او لفت السلاسل باعمدة الابنية التي فيها يتكدسون بالجملة ، هكذا كان شكل الصائم في زمن النظام المقبور ، اضف الى ذلك قلة الطعام والشراب في وضع تصل فيه درجات الحرارة الى ما فوق 55 درجة مئوية ... صام السجناء الاحرار في زنزانات ضيقة مقنن فيها حتى الهواء وكمية الماء اضافة الى عدم معرفة الليل والنهار ، فكان الموقف في صعوبة بالغة لمعرفة اوقات الافطار والاسحار في هذه الاماكن المظلمة التي لا يعرف فيها الليل من النهار . صام السجناء في سجن ابو غريب ، ومنهم من صام مدد طويلة قضاء بما في الذمة مايوازي سنتين او ثلاث متتابعة في ظروف في غاية الصعوبة فمنها قلة الزاد وقلة الماء ، حيث كانت حصة كل واحد لاتتجاوز اربع اكواب من الماء في اليوم الواحد فقط .... . وجبة الفطور خالية كانت من الخضار ولا الفواكه و حتى التمر ونحن في بلد معروف بانه اشهر بلد في العالم بزراعة التمور ، اما الثلج فقد كان من الغيبيات ، فقد نسي السجناء شكل قالب الثلج طول مدة تجاوزت تسع سنين او اكثر ، وحين دخول اول قالب ثلج الى تلك الاماكن اصيب معظمنا بالتهاب اللوزتين ، وذلك لدخول اجسام غريبة الى بطوننا اول مرة ... لم يكن للحلوى اي اثر يذكر لا الطبيعية ولا المصنعة ، و حين دخولي اول مرة الى القاف رقم واحد شاهدت اكياس كبيرة معلقة في سقوف الغرف وهذه الاكياس تحتوي على خبز وصمون يابس ، لم اعرف اول مرة الحاجة لهذه الاكياس الا بعد حين ، فعند حلول شهر رمضان .، قام بعض السجناء بتكسير الصمون الى قطع صغيرة ، ثم تنقيعها بالماء مع كمية من السكر المذاب به ليعطي مذاقا سكريا ، ويعتبر ذلك بمثابة (البقلاوة ) الرمضانية في هذه الاماكن المعزولة عن كل شيء في العالم .... لم تتغير الحال الا بعد اول مواجهة والسماح لذوي السجناء في زيارة ابناءهم ، وقد قام بعض ميسوري الحال الذين قدموا خدمات جليلة في ظروف اقرب الى الخيال ، فقد بذلوا جهودا عظيمة في تحسين احوال المسجونين في جلب مواد غذائية وادوية وادخلوها في طرق ليست بالسهلة واشبه بالمستحيلة الى تلك الاماكن التي ختم عليها بالشمع الاحمر ، ليموت من فيها جوعا ومرضا وعطشا..
الارشيف

كتابنا


رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد 1625 لسنة 2011
جميع الحقوق محفوظة لجريدة النهار 2012   استضافة وبرمجة وتصميم ويب اكاديمي