الثلاثاء - 16 تموز( يوليو ) 2019 - السنة الأولى - العدد 1246
Tuesday-16 Jul 2019 No. 1246
وجدان عبدالعزيز
قصة قصيرة جدا

( الغريق ) يتطلّع برغبة تشدّه إلى ذلك .. أعبر أو لا أعبر كان يقدم رِجْلاً ويؤخّر أخرى وتشتد الحيرة أحياناً كثيرة لتصبح ضبابية وغشاوة ، بينما هو كذلك في حمأة الأقدام .. وإذا بصوت قوي يزاحمه ويستنجده في وسط النهر ، فما كان منه إلاّ أن عبر بسرعة فائقة إلى الشاطئ الثاني هو وصاحب الصوت … ( يأس مزمن ) تقبع الأشياء لائذة من الهروب في خيالاته المرتجفة الآن، بينما تتصاعد أمانيه في الوصول إلى نقطة يتهيّب منها كثيراً ، وكلما تقدم في نية اتخاذ خطوات أكثر صلابة ، لاذَ وصمت مريب تاركاً رغباته كالعادة يلاعبها يأسه المتراكم عبر سنواته العجاف … ( لحظة ترقّب ) ظل الفتى يراقب المكان بأمل متزايد في البحث لما توهجت في داخله رغبة شديدة لحمامته ذات الألوان المتمازجة والبيت الصغير جداً ، مال قليلاً وزاوية الضوء المنبعث من ثقب صغير حيث تكورت الأشعة في جسم بيضوي يسبح وسط أعواد القش وحركة منقار حمامته التي تبدو مزهوة بمرح واضح .. ( قريباً من نفسه ) علاقاته حذرة ولا يحبّذ طرقاً كهذه ، فظلَّ يعوم ببحر حيرته تتقاذفه خطوط السأم والملل رغم جمالية المكان ، حاول زميله بإلحاح إلاّ أنه ترك المكان وراح يسكب كأس الضجر في واحة التخطيط لوجهة أخرى تحت قارعة الضوء الأبيض بقرب شجرة اللقيا تلك التي تتربّع وحافة النهر، ليكون بعيداً عن الوحدة قريباً من نفسه … ( كلما غادرها يعود إليها ) كثيراً ما كانت تلك الطرق والشواطئ تزهو به وهي تستقبل دفء المحبة ولقاءات المساء المتكررة مكحلاً إياها ابتساماته ، لكن سرعان ما تقيّأته تلك الطرقات التي هاجر مرغماً منذ أزمان سحيقة وهو محاولاً التيه في عالم النسيان والتمسك في المكان الآخر … ولولا طيف وجهها المرآتي تلك التي غرق تماماً في عينيها ، ما كان أن يعود مبتلاًّ بوحشة المهاجر وكآبة الوحدة سائحاً بين الأزقة والشوارع حاملاً غربته مرة أخرى … ( قبل الوصول ) مرات متكررة تتصل به باليوم الواحد ، يغازلها ويصب في أذنيها أجمل الكلمات ، ويبني آمالاً كباراً ، ترقص مزهوة في ذهنية عاشق أرق لمستقبل سعيد . ـ ترن ترن ترن … يفزُّ ويبتسم مكحلاً فضاء المحيط بسعادة قبل التقاط السماعة لإيصال الكلمات التي يريد ، ولكن هذه المرة راح بنيّة الاقتراب أكثر وسرعان ما أصيبَ في منتصف طريق الصوت بخدر في أطرافه وصوتها العذب يملأ أذنيه بدلال باهت يتجاوز حاجز ما ألفه منها ، حاول دون ذلك وانفعل حيث راحت تنفلت سماعة الهاتف من أصابعه المرتجفة لتستقر في مكانها المناسب نافضاً رماد ذكراها من مساحة فكره وخلواته .. ( خارج الزوايا ) في غبرة ضربت أطنابها ولفعت المدينة بمعطف داكن من الأتربة الحمراء، حيث خفّت الأرجل مسرعة إلى البيوت أما هو فتكوّر مراوغاً الزوايا لائذاً بمشتبك الأغصان ، يحاول الانتظار صادقاً بوهم اللقاء وصورتها التي ارتسمت في ذهنيته ، استمر حتى وهنت قدماه وارتخت زوبعة الرياح المغبرة ، حينها بدأ يخطو بخطوات وئيدة نحوها .. حاول بكل ما يملك من رغبة ، لكنما وجد نفسه عند نقطة الانطلاق الأولى يراوح في مكانه دون جدوى تذكر ، في الحين مسح أتربة التعب وغطى رأسه الحاسر تاركاً كل زوايا الانتظار البائس …
الارشيف

كتابنا


رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد 1625 لسنة 2011
جميع الحقوق محفوظة لجريدة النهار 2012   استضافة وبرمجة وتصميم ويب اكاديمي