الثلاثاء - 26 اذار( مارس ) 2019 - السنة الأولى - العدد 1200
Tuesday-26 Mar 2019 No. 1200
قراءة في قصيدة (غربة) للشاعر يوسف الدلفي

النهار/ قراءة اكرم الحلي غُربة مَنْ باتَ لِلبدرِ يصبو نورَهُ شَغفا ؟ إلّا غريباً كَسيراً قد ثوى دَنفا يبكي دياراً نأتْ بالذكرياتِ جَوَىً في رسمِها الدّمعُ وابلاً بالنوى نزفا فلا تَلُمْ عاشقاً في غُربةٍ هَمَلاً والعشقُ للدارِ دِيْنٌ قد سَمَا صحُفا وحيٌ مِن اللهِ في ترتيلها أمَلٌ ترنيمةٌ في صداها تَنكرُ الزِّيفَا فيا غريباً طوى الأوطانَ في ألَمٍ قد هَمَّ في جذرِها نزْعاً وما قَطَفا للهِ صَبٌّ على صبرٍ إلى جَلَدٍ والرّوحُ في صبرٍ لَتسمو عِلَّةً شرفا ما الدّارُ في شرعِ الغريبِ سوى صَدرٍ على صدرِ محبوبٍ عَساهُ غفا نَعَمْ هو العشقُ طُهراً تراهْ ضَنَىً سِرٌّ بِغيرِ النّوى لَمْ يُفشِ مُعترِفا نادى المنى عَلَّ آذاناً ليستْ صَمَمَاً كي يُسمعَ الدّهرَ لحناً مِنْ وفىً شنفا قد باتَ في مُدلهماتٍ بِحيرتِهِ يمضي إلى بحرِ هَمٍ يقذفُ الصّدفا قد رَشَّفَ الماءَ مـنْ أمواهِ لَوعَتِهِ حتّى غدا الماءُ دمعاً يبكي له ذرفا ضَجَّتْ بحارٌ مِن الأشواقِ تَلطمُهُ فَقامَ ندباً عليها صارِخاً أَسفا واحَرَّ قلبي وما لُقيا يُبَرِّدُهُ إلّا خيالاً كَذوباً آفلاً سَلفا طُوبى فؤادٌ نما في خَافِقيهِ هوىً والنّبضُ في صدرِ محبوبٍ إذا ردفا الظّاعِنُ الدّارَ في لَوعاتِهِ حِمَمٌ لا تخمدُ النّارَ أطلالٌ محتْ غرفا قام النّوى لم يكنْ بُدٌّ مُصانعةً لكنّما النّأيُ طَاغٍ لو ثوى وقفا الفَقْدُ يُتْمٌ بِحربِ النّأيِ ذا أَجَلٌ والخُلدُ بالملتقى حَتماً بقى ترفا شاعر عراقي اتسمت معظم قصائده بالواقعيه اضافة الى دقة التعابير او بالاحرى دقة ايقاعها الداخلي ناهيك عن جميل ايقاعها الخارجي وهذه الخصال وغيرها التي ساقوم باسترسالها على عجاله لكونه اكبر من ان تضمه كلمات او تحصيه حروف قليله على الرغم من قلة نتاجه الشعري والذي يمكن تفسيره او ايجازه كونه يشبع القصيده من جميع جوانبها الادبيه والابداعيه فتظهر للمتلقي باجمل صوره او لانشغاله بظروف الحياة كونه يعمل تربويا كمدرس للغه العربيه فبكل بيت او بالاحرى بكل كلمه تجد الرصانه والثقل الادبي سوى كان ادبيا او سياسيا او اجتماعيا فلو اخذنا مثلا بعض من ابياته في قصيدته هذه فالاطار العام للقصيده جميل جدا من حيث الصور الشعريه والتي تمثل صلة الشاعر بالمتلقي ومدى تاثيره وكما قال الجاحظ في هذا، إذ قال: "الشعر فن تصويري يقوم جانب كبير من جماله على الصورة الشعريّة، وحسن التعبير". وقدرة هذا الشاعر واضحه من خلال خياله الباذج وانفعلاته التي حولها الى معان جميله تحمل ايقاعا جميلا جدا ليظهر لنا بهذا النتاج الادبي الجميل ، فكل عناصر الصوره الشعريه امتلكها هذا الشاعر من اللغه الى الايقاع والايحاء والوزن والقافيه انتهاءا بالعواطف والاحساس . فلو تمنعنا في كل بيت من ابيات قصيدته لرايت مدى هيام الشاعر ومدى حنينه لداره وبلدته وقد ابدع ابداعا في فحوى كل كلمة من ابياته ويمكن ملاحظة هذا بيته الاول وهو يقول مَنْ باتَ لِلبدرِ يصبو نورَهُ شَغفا ؟ إلّا غريباً كَسيراً قد ثوى دَنفا ما اجمل خياله وانفعالاته الحرى في بيته هذه حين يبدع في الهيام ومدى انكساره بمضمر حنينه ولوعته . الا غريبا كسيرا قد ثوى . والدنف هو المرض الملازم من حدة شوقه انتهاء بالنهايه التي رسمتها خلجاته النابضه لنهايه ما فيه بعد منتهى شغفه . وكلما ابحث او امعن في اي بيت شعري من قصيدته اجد صورا لاهفه وخاصة وجدانيا . وينتقل الجمال اخر معنا واعظم حنينا يبكي ديارا. ........فما اجمل المعنى في بيته الثانيه وما اجمل اداوته الشعريه وهو يهيم بالمتلقي بمدى غربته بعد دياره وان المه من بعد شدة صير نزفا ترسمه الدموع على حر الذكرى الجاثمه في خياله لداره ومدى شوقه فيا غريباً طوى الأوطانَ في ألَمٍ قد هَمَّ في جذرِها نزْعاً وما قَطَفا ما اجمل وجدانية الشاعر وما اجمل الهامه الندي وهو يسطر خلجاته اللاذعه لحنين موجع ولبعد مؤلم اختصر كل معاناته في نهاية بيته (وما قطفا) . وهذا دليل واضح لمدى تمكن هذا الشاعر من ادواته ففي بيت واحد جمع كل ما سايره من مشاعر وصبها مددا بانامل قل لها النظير . ويستمر في حنينه ليصوره باجمل صوره شعريه تحاكي عواطف المتلقي وتحرك فيه مشاعر لا حدود لها وهو يقول . ما الدّارُ في شرعِ الغريبِ سوى صَدرٍ على صدرِ محبوبٍ عَساهُ غفا ما اجمله من نظم وما اجمل الايحاء وما اجمل خياله وهل يمثل عواطف جياشه حيث ضم الدار وضم الحبيب سيان عنده . وهذه القصيده يجب الوقوف علي كل بيت من ابياتها الجميله التي بناها ناظمها بايقاعها الجميل على بحرها البسيط والبحث في كل كلمه لعل مثلي ان يعطي القليل القليل مما تعنيه ومما تمثله امام الكثير من القصائد التي لم اجد فيهاوانتقل بعجاله الى خاتمة القصيده ببيت له من الابداع ما لا يمكن ان اقدره موضوعيا او احده وجدانا الفَقْدُ يُتْمٌ بِحربِ النّأيِ ذا أَجَلٌ والخُلدُ بالملتقى حَتماً بقى ترفا جمع بين نقيضين فصدر البيت لوعه ما بعدها لوعه ينهيها بالفناء . وعجزه هو الخلود بعينه ولذة العيش . وكما اسلفت سابقا فان هذا الشاعر يملك من ادواته الشعريه ما ترقى به نحو الثريا ومما يجعله من الشعراء القلائل الذين ينظمون بهذه الموضوعيه وبهذه اللغه المتقنه جدا جدا وكيف لا وهو استاذ لها . وفي النهايه الاطار العام اعود اليه مرة ثانيه فاجد فيه ارتباط كبير بين قصيدة الشاعر ووطنه كأنه عاش اعترابا جزئيا او ربما كليا وهذا واضح جدا من عنوان قصيدته غربة والى اخر قصيدته. اما العرض، فهندسة النص ووزنه ومضمونه ثري جدا بل باذخ بالجمال الآخاذ ومن الواضح جدا ان الشاعر لا يميل للحداثه اما التعابير والاستعاره والصور البيانيه فهي على دقه عاليه من الذوق والجمال وهذا واضح جدا عند التمعن بقصيدته الرائعه. وهناك الكثير الكثير مما تجاوزته في تصوير قصيدة شاعرنا القدير الدلفي بل تعمدت اسلوبها ومضمومنها بشكل عام لان الوقوف على هكذا نص يحتاج الى الكثير الكثير من التحليل ابتداءا من وقتها الزمني انتهاءا الى القافيه وهذا الذي لا يمكن اجماله في قراءه صوريه كهذه التي اعتمدتها .
الارشيف

كتابنا


رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد 1625 لسنة 2011
جميع الحقوق محفوظة لجريدة النهار 2012   استضافة وبرمجة وتصميم ويب اكاديمي