الثلاثاء - 26 اذار( مارس ) 2019 - السنة الأولى - العدد 1200
Tuesday-26 Mar 2019 No. 1200
طارق ابو مراد
الضمير الانساني والمؤثرات الخارجية

الضمير في الإنسان كالعقل والروح، فالعقل يمكن أن يخطئ. وكذلك الروح يمكن أن تخطئ، وأيضًا الضمير. فالضمير كأي جهاز من أجهزة الإنسان يمكن أن يضعف وأن يقوى. يمكن أن يستنير بالدراسة والتعليم والنمو الروحي. كما أنه يمكن أن يضعف وأن ينحرف، وتطغى عليه المصلحة، وتطغى عليه الإرادة الرخوة. والضمير هو تلك القوة الروحية التي تحكم مواقف الإنسان وتفكيره، وهو منحة من الله للإنسان يدله بها على الخير والشر، وكيف يكسب الرضا والراحة النفسية. ولذلكَ ضَربَ اللهُ مثلاً لذلكَ بيوسفَ -عليه السلام- حينما حجَزَهُ ضميرُه عن الانجرافِ وراءَ الهوى، وقال: (مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) يوسف: 23. إن الدول والشعوب والحكومات لتسن القوانين، وتوجد التشريعات، وتحدد العقوبات التي تكفل لها ولأفرادها الحياة الطيبة والآمنة، فتحفظ الحقوق، وتنجز الأعمال، وتؤدى الواجبات، وتكافح الجرائم والاختلالات، ويعيش الفرد ينظر عندما يقدم على عمل ما إلى موقف القانون والعقوبة المترتبة على ذلك، فإذا وجدت وسائل الرقابة البشرية التزم بذلك، وإلا فإنه سرعان ما يتفلت ويتهرب ويتحايل على هذا القانون. أما في شريعة الإسلام إلى جانب ما شرعته من أحكام وحدود وعقوبات، فإنها سعت لتربية الفرد المسلم على يقظة الضمير، والخوف من الله ومراقبته، وطلب رضاه، حتى إذا غابت رقابة البشر، وهمت نفسه بالحرام والإفساد في الأرض تحرك ضميره الحي يصده عن كل ذلك، ويذكره بأن هناك من لا يغفل ولا ينام ولا ينسى، يحكم بين عباده بالعدل ويقتص لمن أساء وقصر وتعدى في الدنيا والآخرة، القائل – سبحانه -: (وإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ)الانفطار: 10-12. وقال تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)الإسراء: 13-14. إن المرء لينظر في حياة الناس فيجد عجباً، مشاكل وصراعات، وتهاجر وقطع أرحام، وغمطٍ للحقوق، وتنكر للمعروف على أتفه الأسباب، بل إنك تجد من يكون سبباً في شقاء المجتمع؛ بسبب سوء أخلاقه وتصرفاته، يستغل المواقف، ويتحين الفرص، ليشبع رغباته، ويحقق شهواته على حساب القيم والأخلاق والدين، ومصالح الآخرين، ومنافع العباد. وما وصل الناس إلى هذه الأمور إلا بسبب غياب الضمير الإيماني الذي يهذب الأخلاق، ويقوم اعوجاج السلوك، ويكون سبباً في صلاح النيات، وقبول الأعمال، وكثرة العبادات والطاعات، بل إنه يورث الخوف من الله والخشية من عذابه وسخطه، قال -تعالى-: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون) ويشير القرآن الكريم إلى الضمير بتعبير غاية في الإعجاز والدقة.. انظر إلى قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) سورة: ق، آية رقم 16. والوسوسة هي صوت الضمير الحي الذي يناجي القلب والعقل، وكأن هذا الضمير أقرب إلى الإنسان من ذلك العرق الذي يوجد داخل عنق الإنسان. أما رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فيقول: "البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك". والضمير شيء يتردد في الصدور والعقول، فإذا خبأ هذا الضمير ظهرت الأنا وغرق القلب في التكبر والغرور وعلت الشهوات دون النظر في العقاب. وإذا علا صوت الأنا على الضمير تلاشى العطف والحب للصغير، وذهب الاحساس الصادق بالتعاطف مع الكبير والعاجز والمريض. والضمير الحي هو ذلك الاحساس الذي يحرك في الإنسان التواضع والاخلاص والعدالة والعطف على الفقراء والمساكين. والضمير الحي هو ضمير ينبض ويتردد داخل الإنسان، وهو يختلف عن الضمير العادي الذي يمكن أن يصاب بالمرض والبعد عن مساعدة الآخرين. والضمير الحي هو الذي يجعلك لا تنام وأنت ظالم أو مقصر في حقوق الآخرين!. وبالطبع فإن كثيرا من الأمور التي نقرأها أو نشاهدها أو نسمعها من التقصير الذي يحدث في المجتمع أو الفساد الإداري أو المالي، جميعها تعود إلى ضعف الضمير أو غياب الضمير الحي. إن المجتمع بتقدمه وقوانينه هو مرآة للفرد المتحضر الذي يحكمه النظام والسلوك الصحيح، ومن أجل استعادة الضمير الحي عند كل إنسان، لا بد من تربية الضمير عند الأطفال والشباب، وتطبيق القوانين واللوائح لاستئصال الفساد في المجتمع. والضمير عندما يموت، فإن العالم تحكمه الغرائز وشريعة الغاب، يأكل فيه القوي الضعيف، ويستغل الإنسان أخاه الإنسان، ويصبح الحرام حلالاً.. فهل يرضى الإنسان أن يصبح حيواناً في غابة الشر والحقد وموت الضمير.
الارشيف

كتابنا


رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد 1625 لسنة 2011
جميع الحقوق محفوظة لجريدة النهار 2012   استضافة وبرمجة وتصميم ويب اكاديمي