الاثنين - 23 تشرين الاول( اكتوبر ) 2017 - السنة الأولى - العدد 1041
Monday-23 Oct 2017 No. 1041
الحمام الزاجل.. من رسائل الحب والسلام إلى تهريب المخدرات

وأعلن مسؤول في البصرة جنوب العراق عن ضبط العشرات من الحمام الزاجل يستخدم لتهريب المخدرات، في أحدث أسلوب لعمليات تهريب المخدرات القادمة من إيران. والبصرة جنوب العراق والقريبة من حدود الكويت من جهة، وإيران من جهة أخرى تعد أحد أكبر معاقل ترويج المخدرات في العراق والدول المجاورة. وقال سامي السوداني مدير عام المديرية العامة للمنافذ الحدودية، إنه تم ضبط 88 طيرا من الحمام الزاجل تستخدم لنفل المواد المخدرة في منفذ سفوان الحدودي، فيما ذكرت مصادر إعلامية كويتية أن رجال جمارك منطقة العبدلي شمال الكويت ضبطوا 178 حبة مخدرة محمولة على ظهر طائر من نوع الحمام الزاجل. وأوضحت المصادر الإعلامية في وقت سابق أن موظفي الجمارك “تتبعوا طائر حمام زاجل قادما من العراق إلى أن تم ضبطه فوق مبنى قريب من جمارك العبدلي، فتبين أنه يحمل حزاما ملفوفا حوله وبداخله 178 حبة مخدرة”، فيما قالت مصادر أخرى إن الحمامة حطت صدفة فوق مبنى الجمارك. وضبطت السلطات الكويتية شابا ومعه كمية من الحشيش اعترف بأنه تلقاها عن طريق الحمام الزاجل، ولم يتمكن من مقابلة البائع، وأكد أن هذه الطريقة تساعد التاجر على الهروب، ولا تمكن رجال الأمن والمباحث من القبض عليه. هذه الحادثة تناولتها مواقع التواصل الاجتماعي ونشرت مجموعة من صور الحمام الذي يحمل “حقائب” على ظهره بها أقراص هلوسة، وأثارت العديد من التعليقات الساخرة والداعية إلى وقف مثل هذه الممارسات التي تسيء إلى هواية تربية الحمام الزاجل. والحمام الزاجل نوع مميّز وخاص من الحمام، كان يستخدم قديما في المراسلات بين العشاق والملوك، حيث كان الإنسان يستخدمه في نقل الرسائل من مكان إلى آخر، إذ وصلت المسافات التي يقطعها هذا الحمام إلى 100 ميل تقريبا. وفي بداية الأمر كان هذا الحمام ينقل الرسائل ذهابا فقط، لكن بعد التدريب والتطوير تمكّن الإنسان من جعل هذا الحمام ينقل الرسائل ذهابا وإيابا أكثر من مرّة تقريبا في اليوم الواحد. ولعل انفراد الحمام دون سائر الطيور بخاصية العودة بعد طيران آلاف الأميال لبيته الذي تربى فيه مهما طال الفراق، هو الذي أكسبه كل الصفات الهامة التي انفرد بها، واستطاع من خلالها القيام بأعمال لا يقدر عليها غيره من الطيور، حتى تفتقت أذهان المهربين على استخدامه في نقل المخدرات بعيدا عن أعين الأجهزة الأمنية. وكان للعرب تاريخ طويل مع هذا الطائر الجميل، وكانت له أهميّة عظمى لدى العرب إلى درجة أنّهم كتبوا المؤلفات عنه وعن طريقة تدريبه وعن طبائعه وكيفية علاج الأمراض التي تُصيبه. الحمام الزاجل في ورطة وتناول ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي صورا يظهر فيها القبض على حمام زاجل، قائلين في تعليقاتهم إن هذه الطريقة جديدة لمهربي المخدرات لإيصال بضائعهم إلى مناطق مختلفة، فيما أشاروا إلى أن هذا الحمام قدم من مدينة البصرة العراقية القريبة من الحدود مع الكويت. تهريب المخدرات عن طريق الحمام الزاجل انتشر في دول أجنبية وعربية، منها الأرجنتين والبرازيل وكولومبيا ونيوزيلندا ومصر والعراق وغيرها من الدول، ويعتبرها الأخصائيون الأمنيون عملية في غاية الخطورة لأنه من الصعب مراقبة كل الحمام الطائر في الجو. وفي سنة 2013 ضبطت الشرطة الأرجنتينية ثلاثة تجار مخدرات كانوا يستخدمون الحمام الزاجل لتوزيع القنب الهندي في بيونس أيريس. وأوضحت الشرطة أن الحمام كان يقوم برحلات بين المنزل المداهم وبرج حمام كان يأتي إليه بائعو المخدرات، كما استعمل الحمام في تهريب المخدرات إلى السجون في كولومبيا وكوستاريكا. ويصنع بعض تجار المخدرات حقائب صغيرة تناسب حجم الحمام الزاجل، وتشحن بالمخدرات القوية وفق قاعدة ما خف وزنه وغلا ثمنه، ويطلق ليحلق في اتجاه المكان المقصود الذي تربى فيه ويمكنه العودة إليه من مسافات بعيدة. يذكر أن هذه الطريقة قد كانت ضمن أحداث الفيلم المصري الشهير “رصيف نمرة 5” الذي عرض في خمسينات القرن الماضي، حيث كانت العصابات تستخدم طيور الحمام لتهريب الممنوعات. ويقول خبراء في تربية الحمام إن الزاجل يمكنه حمل وزن خفيف بشكل عادي والذهاب به إلى الوجهة المقصودة في ظرف وجيز، خاصة إذا كانت المسافة قصيرة، لأنه يتشوق للعودة إلى المكان الذي تربى فيه، ولا يمكن أن ينساه أو يتيه عنه أبدا، بل يمكنه أن يقوم بعشرين رحلة يوميا. المخدرات في العراق تعود أسباب انتشار تهريب وترويج المخدرات في العراق حسب الخبراء إلى الانفلات الأمني عبر الحدود وغياب الرقابة داخل الأراضي العراقية التي تشهد يوميا دخول كميات كبيرة من المخدرات عبر دول الجوار، وكذلك عدم وجود إجراءات رقابية مشددة وافتقاد قوات الحدود لأجهزة الكشف عن المخدرات وعدم قدرة ودراية رجال أمن الحدود بأنواع المخدرات نتيجة عدم امتلاكهم الخبرة في هذا المجال. واستثمر المهربون انفتاح الحدود وطول المسافة بين المخافر الحدودية ووعورة الطرقات في نقل المخدرات عبر وسائل نقل مختلفة ليتم ترويجها داخل الأراضي العراقية أو إعادة شحنها للدول المجاورة. وتشير التقارير الأمنية إلى أن الحدود بين العراق وإيران هي بوابة المخدرات إلى دول الخليج وتركيا وبلغاريا ثم أوروبا والولايات المتحدة. ويؤكد مركز الوقاية ومكافحة الإرهاب في العراق في تقرير سابق له، أن منابع تهريب المخدرات مفتوحة ويبلغ معدل الداخل منها إلى العراق سنويا قرابة 3 أطنان للاستهلاك المحلي، وهذا فقط ما يتم ضبطه، أما ما يمر عبر العراق فلا يمكن تقدير حجمه، إذ يتم تسريبه إلى سوريا والأردن وتركيا وبلغاريا والدول الخليجية. مهرب لا يستجيب للتحقيق الأمني يتنقّل (ك . ع . م .) من منطقة إلى أخرى مستخدما دراجة نارية ليتجنب نقاط التفتيش المنتشرة على الطرق الرئيسة بين ناحية العزير وقضاء قلعة صالح (70 كلم جنوب مدينة العمارة) حاملا كمية من المخدرات التي قام بتهريبها من إيران. ورغم معرفته والذي يبلغ من العمر 31 عاما بالطرق الفرعية والدروب غير المطروقة التي تتفرع داخل الحدود العراقية – الإيرانية، إلا أنه وقع في كمين نصبه له أحد مراكز قسم مكافحة المخدرات التابع لقيادة شرطة المحافظة. وفي العمارة ازداد نشاط المهربين الذين عادة ما يكونون من العشائر التي تقطن تلك الأماكن، وهم يتولون نقل المخدرات من إيران إلى دول الخليج مرورا بمحافظات ذي قار والبصرة إلى الكويت برا أو بحرا، فيما يمر الطريق الآخر عبر النجف والمثنى التي تشترك في حدود صحراوية مع السعودية. واختلفت وسائل التهريب اليوم عما كانت عليه سابقا، إذ اختفت الحمير وحلت بدلا منها وسائل النقل الحديثة من السيارات والدراجات النارية والزوارق ومعها اختلفت طرق إخفاء المخدرات، إلا أن المناطق التي يتم التهريب عبرها ما زالت هي نفسها. في شرق ناحية العزير داخل الحدود العراقية المحاذية لإيران تنتشر بعض المستنقعات والمساحات المائية ومواقع ترابية وعرة مكشوفة، وفي مواقع كثيرة لا توفر الطبيعة مخابئ جيدة للمهربين باستثناء بعض الأشجار البرية التي يركنون إليها بانتظار حلول الظلام للانطلاق إلى داخل الأراضي الإيرانية. يقول (ع . ص .ي) أحد أبناء ناحية العزير إن تجارة المخدرات “تنتشر في الناحية وتحديدا في قرية بيت أغزير وهي منطقة حدودية تقع شمال البصرة، وغالبية قاطنيها يتاجرون بالمخدرات ومنها الحشيشة والترياك والحبوب والكريستال”. وأكد لـلعرب ازنلاين أن “المهربين يقطعون مسافات طويلة بين حدود البلدين مستخدمين في ذلك أكثر من وسيلة نقل منها الدراجات النارية والزوارق والسير على الأقدام قرابة ست ساعات حتى الوصول إلى مبتغاهم”. الزوارق وسيلة لنقل المخدرات من الحدود الإيرانية مصدر رفيع في قيادة شرطة ميسان فضّل عدم ذكر اسمه قال إن القوات الأمنية تقوم بعمليات التفتيش والمداهمة بين الحين والآخر لعدد من أوكار المهربين ويتم القبض عليهم متلبسين. لكنه اشتكى من الصعوبات والمخاطر التي تواجه عناصر الأمن، مؤكدا أن عمليات الاعتقال والمداهمة عادة ما تكون أشد وقعا على رجال الأمن من المهربين. ويقول “تواجه عناصرنا صعوبات مختلفة منها التدخلات العشائرية التي تفرض نفسها بقوة لإطلاق سراح المعتقلين، فضلا عن ضعف الدعم الرسمي لعناصر مكافحة المخدرات الذين يتلقون تهديدات من عصابات التهريب وعشائرهم، إذ نخشى عليهم من التصفية الجسدية، وقد جرى مؤخرا حرق سيارة لأحد المنتسبين. كما وضعت قنبلة أمام منزله لإفزاعه وإرغامه على ترك التحري عن بعض المطلوبين”. إدمان الشباب العراقي لم يقتصر الأمر على كون العراق معبرا للاتجار بالمخدرات، فقد دفع الإحباط والبطالة خلال الأعوام الماضية الكثير من الشباب إلى تعاطي المخدرات، ووثقت سجلات قيادة شرطة ميسان استفحال ظاهرة تعاطي أنواع المخدرات بين الشباب منذ عام 2008. ويؤكد الدكتور علي محمود أخصائي في علاج الإدمان أن الحالات المرضية الخاصة بتعاطي الحبوب المخدرة وبعض المخدرات في تزايد مطرد، وكشف مدى خطورة ذلك قائلا “غالبا ما يحصل تحوّل في تركيبة أجسام متعاطي مادة الكريستال، إذ يدمن عليها الشخص بعد ثلاث جرعات وتنتهي بقتله في حال الإدمان عليها لمدة عام، وهي الأشد فتكا بالإنسان من السموم”. ويقول بسام الساعدي مدير حملة التوعية بمخاطر المخدرات إن هناك إحصائيات شبه دقيقة تؤكد تزايد أعداد الشباب الذين يتناولون المخدرات في ميسان. وتذكر تقارير أمنية أن بغداد وكربلاء والنجف من أهم المدن العراقية التي تنتشر فيها المخدرات حاليا التي تأتي عن طريق المهربين القادمين مع الزوار الإيرانيين الذين يدخلون إلى العراق، ومعظم عمليات الاتجار بالمخدرات في هذه المدن تتم مع إيران بشكل خاص. ومع عدم ضبط الحدود بين العراق وإيران، فإن منافذ التهريب متاحة. كما أن المتاجرة بالمخدرات مستمرة مع تزايد ملحوظ في الجرائم التي يقوم بها أشخاص مدمنون.
الارشيف

كتابنا


رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد 1625 لسنة 2011
جميع الحقوق محفوظة لجريدة النهار 2012   استضافة وبرمجة وتصميم ويب اكاديمي